أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
192
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ويجوز أن تكون « ما » مصدرية ، وحينئذ يكون قد شبّه إنفاقهم في عدم نفعه بالريح الموصوفة بهذه الصفة ، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس . قوله : فِيها صِرٌّ في محل جر نعتا ل « رِيحٍ » ، ويجوز أن يكون « فِيها صِرٌّ » جملة من مبتدأ وخبر ، ويجوز أن يكون « فِيها » وحده هو الصفة ، و « صِرٌّ » فاعل به ، وجاز ذلك لاعتماد الجار على الموصوف ، وهذا أحسن ؛ لأنّ الأصل في الأوصاف الإفراد ، وهذا قريب منه . و « الصرّ » قيل : البرد الشديد المحرق ، قال : 1398 - لا يعدلنّ أتاويّون تضربهم * نكباء صرّ بأصحاب المحلّات « 1 » وقيل : « الصرّ » بمعنى الصّرصر ، وهو الشيء البارد ، قالت ليلى الأخيلية : 1399 - ولم يغلب الخصم الألدّ ويملأ ال * جفان سديفا يوم نكباء صرصر « 2 » وأصله مأخوذ من الشّدّ والتعقيد ، ومنه : الصرّة للعقدة ، وأصرّ على كذا : لزمه . وقال بعضهم : « الصرّ » صوت لهيب النار ، يكون في الريح من : صرّ الشيء يصرّ صريرا أي : صوّت بهذا الحسّ المعروف ، ومنه : صرير الباب . قال الزجاج : « والصرّ : صوت النار التي في الريح » وإذا عرف هذا فإن قلنا : الصرّ : البرد الشديد أو هو صوت النار أو صوت الريح ، فظرفية الريح له واضحة ، وإن كان الصرّ صفة الريح كالصرصر فالمعنى : فيها قرّة « 3 » صرّ ، كما تقول : برد بارد ، وحذف الموصوف وقامت الصفة مقامه ، أو تكون الظرفية مجازا جعل الموصوف ظرفا للصفة كما قال : 1400 - . . . * وفي الرّحمن للضّعفاء كافي « 4 » ومنه قولهم : « إن ضيّعني فلان ففي اللّه كاف » المعنى : الرحمن كاف ، واللّه كاف . وهذا فيه بعد . قوله : أَصابَتْ هذه الجملة في محل جر أيضا صفة ل « رِيحٍ » ، ولا يجوز أن تكون صفة ل « صِرٌّ » لأنه مذكر . وبدأ أولا بالوصف بالجار لأنه قريب من المفرد ثم بالجملة . هذا إن أعربنا « فِيها » وحده صفة ، ورفعنا به « صِرٌّ » ، أمّا إذا أعربناه خبرا مقدما و « صِرٌّ » مبتدأ فهما جملة أيضا . قوله : ظَلَمُوا صفة ل « قَوْمٍ » ، والضمير في « ظَلَمَهُمُ » يعود على القوم ذوي الحرث ، أي : ما ظلمهم اللّه بإهلاك حرثهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي التي كانت سببا في إهلاكه . وجوّز الزمخشري وغيره أن يعود على المنفقين ، وإليه نحا ابن عطية ، ورجّحه بأنّ أصحاب الحرث لم يذكروا للردّ عليهم ولا لتبيين ظلمهم ، بل لمجرد التشبيه بهم . قوله : وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ العامة على تخفيف « لكِنْ » وهي استدراكية ، و « أَنْفُسَهُمْ » مفعول مقدم ، قدّم للاختصاص أي : لم يقع وبال ظلمهم إلا بأنفسهم خاصة لا يتخطّاهم ، ولأجل الفواصل أيضا . وقرأها بعضهم « 5 »
--> ( 1 ) انظر البيت في اللسان ( حلل ) . ( 2 ) انظر البيت البحر 3 / 32 ، الكشاف . ( 3 ) قرّة : أي ما أصاب من البرد . ( 4 ) عجز بيت لأبي خالد القناني وصدره : ولولاهن قد سومت مهري * . . . انظر الكامل ( 895 ) ، الكشاف 1 / 457 . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 38 .